Tuesday, 16 December 2025

لماذا أصبحت العافية المهنية قضية صحة عامة في مصر؟

 



في كل مرة نسمع عن طبيب مرهق، أو صيدلي فقد شغفه، أو مهني رعاية صحية قرر ينسحب بهدوء من المهنة، غالبًا بنسأل السؤال الغلط:
هو ما استحملش؟

السؤال الصحيح هو:
هل بيئة العمل سمحت له يفضل إنسان وهو بيشتغل؟

ما هي العافية المهنية؟

العافية المهنية لا تعني غياب المرض فقط، ولا تقتصر على جلسة دعم نفسي أو إجازة قصيرة.
العافية المهنية — كما تؤكد التوجهات العالمية في الصحة العامة — تعني أن بيئة العمل نفسها:

  • تحمي الصحة النفسية
  • تقلل الضغوط المزمنة
  • تحترم الكرامة المهنية
  • وتدعم الاستدامة طويلة المدى للإنسان قبل الدور الوظيفي

لماذا الأطباء ومهنيّو الرعاية الصحية تحديدًا؟

لأنهم يعملون في:

  • بيئات عالية الضغط
  • مسؤوليات مرتبطة بحياة البشر
  • ساعات عمل طويلة
  • وتوقعات مجتمعية غير واقعية أحيانًا

ومع ذلك، لا يزال الحديث عن صحتهم النفسية والمهنية يُنظر إليه كأنه رفاهية أو ضعف، وليس ضرورة مهنية.

عندما يتحول الإرهاق إلى خطر حقيقي

الأخطر من الإرهاق المهني،
إننا بقينا نشهد حالات انهيار صحي ووفيات مفاجئة أثناء العمل بين الأطباء ومهنيي الرعاية الصحية.

أزمات قلبية، سكتات دماغية، أو انهيار جسدي حاد،
بتحدث في بيئات عمل مرهقة، بساعات طويلة وضغوط مستمرة،
وفي ظل غياب شبه كامل لمفهوم العافية المهنية.

غالبًا ما يتم اختزال هذه الحوادث في جملة:
«قضاء وقدر»
بينما الحقيقة أن الإجهاد المزمن وبيئات العمل غير الآدمية
هي عوامل خطر صحية معروفة علميًا، وليست أمورًا ثانوية.

ووفقًا لتقرير مشترك صادر عن منظمة الصحة العالمية (WHO) ومنظمة العمل الدولية (ILO):

  • العمل لأكثر من 55 ساعة أسبوعيًا
    يزيد خطر الإصابة:
    • بأمراض القلب بنسبة 17%
    • وبالسكتة الدماغية بنسبة 35%

وهي ظروف عمل شائعة للأسف بين كثير من مهنيي الرعاية الصحية.

المشكلة ليست فردية… بل منظومية

الإرهاق المهني في القطاع الصحي ليس ناتجًا عن ضعف الأفراد،
بل عن:

  • ثقافات عمل غير داعمة
  • غياب الحدود المهنية
  • ضغط مستمر دون مساحات تعافٍ
  • وعدم الاعتراف بالبعد الإنساني للمهني الصحي

الدراسات العالمية تشير بوضوح إلى أن ثقافة العمل الصحية والقيادة الواعية
لها تأثير أعمق وأكثر استدامة من أي حلول سطحية أو برامج رفاهية منفصلة.

لماذا هذا يهم المجتمع؟

لأن:

  • مهني صحي مرهق = جودة رعاية أقل
  • جودة رعاية أقل = مخاطر على سلامة المرضى
  • استنزاف الكوادر = نظام صحي غير مستدام

العافية المهنية للطبيب ليست شأنًا شخصيًا،
بل قضية صحة عامة تمس المجتمع كله.

من هنا جاءت مبادرة “الطبيب إنسان”

انطلقت مبادرة الطبيب إنسان من إيمان بسيط وعميق:

لا يمكن بناء نظام صحي قوي دون حماية الإنسان الذي يعمل داخله.

المبادرة تسعى إلى:

  • أنسنة بيئات العمل الطبية
  • نقل الحوار من لوم الأفراد إلى مسؤولية المؤسسات
  • ترسيخ العافية المهنية كأولوية وليست امتيازًا

هذه ليست دعوة للشكوى

بل دعوة:

  • للحوار
  • للوعي
  • وللتغيير الهادئ المبني على فهم وإنسانية

إذا كنا نريد أطباء ومهنيي صحة قادرين على العطاء،
فأول خطوة… أن نراهم كـ بشر.


✍️ د. إيمان الزمر
مدربة تحول مهني وعافية مهنية لمتخصصي الرعاية الصحية
مؤسسة مبادرة الطبيب إنسان

مرجع:
WHO & ILO (2021). Long working hours and the burden of disease


No comments:

Post a Comment